الشيك

" يا له من يوم عمل شاق " قلت هذه العبارة لنفسي متنهدًا بعمق في نهاية ذلك اليوم، كان دوامي الرسمي في البنك الذي أعمل به قد إنتهى، وكنت في ذلك الوقت أعد النقود عهدتي على عجل إستعدادًا لتسليمها إلى الخزينة، هذه العملية كانت روتينًا يوميًا إعتدت عليه، أقوم بعد النقود ثم أضع كل عشرة آلاف في كيس ورقي مخصص لذلك، ثم أوقع على الكشف وأسلمه مع النقود إلى أمين الخزينة،

" يا له من يوم عمل شاق " قلت هذه العبارة لنفسي متنهدًا بعمق في نهاية ذلك اليوم، كان دوامي الرسمي في البنك الذي أعمل به قد إنتهى، وكنت في ذلك الوقت أعد النقود عهدتي على عجل إستعدادًا لتسليمها إلى الخزينة، هذه العملية كانت روتينًا يوميًا إعتدت عليه، أقوم بعد النقود ثم أضع كل عشرة آلاف في كيس ورقي مخصص لذلك، ثم أوقع على الكشف وأسلمه مع النقود إلى أمين الخزينة، بعد أن إنتهيت من عد النقود في ذلك اليوم نظرت إلى الرقم الموجود أمامي على الورق فذهلت، كانت النقود تنقص عما يجب أن تكون عليه بمقدار تسعين ألفًا، قلت في نفسي: لعلي أخطأت في العد، لذلك على الفور قمت بإعادة عد النقود بحرص، ولكني وجدتها كما كانت في المرة السابقة، قلت: لعل الخطأ في في الرقم الموجود على الورق، ولم يمض وقت طويل حتى كنت أضع الشيكات التي قمت بصرفها في ذلك اليوم أمامي وأقوم بجمع المبالغ التي بها، كنت أقوم بتلك العملية كالمجنون، فأنتم لا تعرفون ما معنى أن ينقص من عهدتي مبلغ من المال، معنى ذلك بكل بساطة أنني قد سرقت هذا المبلغ، ولا يوجد شئ يشفع لي، حتى لو لم أكن قد سرقت شيئًا بالفعل، بعد أن إنتهيت من الجمع إرتميت بنصف جسدي الأعلى على المكتب يائسًا، كان الرقم الموجود في الورق صحيحًا، كنت في حالة ذهول لا أستطيع وصفها، والشيكات متناثرة أمامي أتخيلها وحوشًا تحاول الفتك بي، وفجأة وقعت عيني على شيك بمبلغ عشرة آلآف، لقد فهمت كل شئ الآن، فقد أعطيت صاحب هذا الشيك مائة ألف دون أن أدري وحدث ما حدث، ومن المؤكد أن الرجل إستغل ذلك الخطأ مني وأخذ النقود وإنصرف مسرعًا، يا إلهي ماذا أفعل الآن؟ كيف أسلم عهدتي وهي ناقصة؟ من المؤكد أن البنك سيرفع علي دعوى قضائية، وسأسجن، عندما تخيلت أنني قد أسجن سرت في جسمي قشعريرة مخيفة، لا، كيف أسجن وأنا لم أفعل شيئًا، كل ما فعلته أنني أخطأت خطأً بسيطًا يمكن أن يرتكبه أي شخص في مكاني، لكن القانون هكذا وهو - كما يقولون - لا يحمي المغفلين، قمت متثاقلاً وأنا أحمل بيدي النقود الباقية وذهبت إلى الخزنة وسلمت النقود التي معي وحرر لي أمين الخزنة عجزًا بالمبلغ الناقص، ذهبت إلى غرفة المدير والدموع تكاد تسيل من عيني وأخبرته بالقصة كاملة، هدأني المدير وهون الأمر علي، وأخبرني أن الشخص الذي أخذ النقود قد يعيدها إذا إكتشف أنها زائدة، علمت حينها أنه يحاول أن يجعلني أتمسك ببعض الأمل فالذي أخذ النقود لا بد أنه عدها قبل أن ينصرف ولابد أنه عرف أنها زائدة لكنه آثر أن يحتفظ بها لنفسه، ثم قال لي المدير إنه سوف يعطيني مهلة شهرًا لأتدبر المبلغ الناقص بدلاً من عشرة أيام - وهي المدة الإعتيادية في هذه الحالات - وذلك بسبب سلوكي الحسن في عملي، خرجت من عنده وأنا في أشد حالات الذهول واليأس، كيف حدث كل لك؟ ألم يكن بإستطاعتي أن أتجنب كل هذا لو أنني إنتبهت في عملي؟ قلت في نفسي: ليس هذا وقت عتاب، لكنه وقت البحث عن حل، وصلت إلى البيت بعد نصف ساعة، وقررت أن أخفي الأمر على زوجتي، أخبرتني زوجتي بأننا سوف نذهب لزيارة شقيقها الذي عاد من السفر بعد عشرة سنوات قضاها في الغربة، وافقت على مضض، كنت طوال الطريق إلى منزل شقيق زوجتي شاردًا أفكر في حل لتلك المشكلة، فكرت في بيع ذهب زوجتي وبيع المنزل والإنتقال إلى آخر أصغر، لكن هذا لن يكفي لسد العجز، بالإضافة إلى أن زوجتي ستثور إذا سمعت بشئ كهذا، فكرت في الإقتراض من معارفي وأقربائي، لكن من يقرض أحدًا الآن؟ أحسست أن كل السبل مغلقة في وجهي، لاحظت زوجتي شرودي فسألتني عما بي، فقلت لها: لا شئ، وصلنا إلى منزل شقيقها وعندما فتح الباب وجدت رجلاً بدينًا في الأربعين من عمره تقريبًا يدخن سيجارة، رحب بنا ودعانا للدخول، أحسست أنني قد رأيت هذا الشخص من قبل، لكن أين؟ لا أدري، دعانا الرجل للجلوس ثم قال لي: أعتقد أنني رأيتك من قبل، قلت له: وأنا أيضًا عندي نفس الإحساس، بدأ الرجل يحكي لنا عما فعله في الغربة طوال هذه السنوات وكيف أنه خسر أمواله في مشاريع فاشلة، ثم إضطر إلى بيع ممتلكاته والعودة إلى الوطن، ثم قال: واليوم حدث لي أمر ربما لا تصدقوه، تشوقت لسماع هذا الأمر وطلبت منه الإستمرار، فأكمل: لقد ذهبت إلى البنك وقمت بإعطاء الموظف شيكًا بمبلغ عشرة آلآف لكنه أخطأ وأعطاني مائة ألف، عندما سمعت هذا الكلام صعقت، هل من المعقول ... ، كان الرجل يتحدث بفخر عما فعله، وفجأة قمت واقفًا وطلبت منه في صرامة أن يريني الشيك، أخرج الرجل وهو مذهول الشيك من جيبه وقدمه إلى، نظرت في الشيك ووجدت أنه نفس البنك الذي أعمل به، وتيقنت أن هذا الشخص هو السارق، وفجأة إنقضضت على الرجل وأنا أصرخ: أين النقود أيها اللص؟ .. أين النقود؟، هدأتني زوجتي وجعلتني أترك الرجل الذي كان مذهولاً مما يحدث وطلبت مني أن أشرح لها ما يحدث، أخبرتها بالقصة، ثم أمرت الرجل أن يذهب ويحضر النقود التي أخذها، ذهب الرجل وأحضر حقيبة بها النقود وهو يعتذر ويتأسف، إنتزعت الحقيبة من يده وذهبت مسرعًا إلى البنك وأعدت النقود، وفي طريق العودة سألت نفسي: ماذا لو كنت مكان هذا الرجل، هل كنت سآخذ النقود؟ .. ربما، لكن الآن بكل تأكيد:لا.

اعراب لكلمة فلسطين تدمع له العين
السواد تحت العين..
 

تعليقات (0)

لا يوجد تعليقات منشورة هنا

ترك تعليقاتك

نشر التعليق كزائر. انشاء حساب أو تسجيل الدخول إلى حسابك.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location