اتبكي على لبنى وانت تركتها وكنت كآتي غيه وهو طائع

لتعميم الفائدة وخصوصا لمن يهتم بالتراث الأدبي ولمن يتذوق شعر السابقين ..
وكي نطلع معا على قصة قيس ولبنى كما جاءت في كتاب الأغاني ولا سواه ، فإني حاولت أن ألخص لأخوتي أهم ما جاء في هذا الكتاب من أخبار قيس ولبنى . استغنيت فيها عن كثرة الرواة وتداخل الروايات و أخبار المغنين ...وأجملت شعره وأحداثا توافقت مع ما كان من رقيق شعره .

لقاء قيس بلبنى :
كان منزل قومه في ظاهر المدينة وكان هو وأبوه من حاضرتها ...وقالوا عن لقائه بلبنى أول مرة أن قيسا مرّ لبعض حاجته بخيام بني كعب بن خزاعة فوقف على خيمة منها والحي خلوف والخيمة خيمة لبنى بنت الحباب الكعبية فاستسقى ماء فسقته وخرجت إليه به وكانت امرأة مديدة القامة شهلاء حلوة المنظر والكلام فلما رآها وقعت في نفسه وشرب الماء فقالت له أتنزل فتتبرد عندنا قال نعم فنزل بهم وجاء أبوها فنحر له وأكرمه فانصرف قيس وفي قلبه من لبنى حر لا يطفأ فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع وروي ثم أتاها يوما آخر وقد اشتد وجده بها فسلم فظهرت له وردت سلامه وتحفت به فشكا إليها ما يجد بها وما يلقى من حبها وشكت إليه مثل ذلك فأطالت وعرف كل واحد منهما ما له عند صاحبه فانصرف إلى أبيه وأعلمه حاله وسأله أن يزوجه إياها فأبى عليه وقال يا بني عليك بإحدى بنات عمك فهن أحق بك وكان ذريح كثير المال موسرا فأحب ألا يخرج ابنه إلى غريبة فانصرف قيس وقد ساءه ما خاطبه أبوه به فأتى أمه فشكا ذلك إليها واستعان بها على أبيه فلم يجد عندها ما يحب فضل به حتى خرج معه ولما كان أبو لبنى قد وجد في نفسه من قيس لما قاله من شعر في حق ابنته فإن قيسا خرج في وجوه من قومه حتى أتوا لبنى فخطبها ذريح على ابنه إلى أبيها ولا زالو يلحون عليه فزوجه إياها وزفت إليه بعد ذلك فأقامت معه مدة لا ينكر أحد من صاحبه شيئا وكان أبر الناس بأمه فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك فوجدت أمه في نفسها وقالت لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري ولم تر للكلام في ذلك موضعا حتى مرض مرضا شديدا فلما برأ من علته قالت أمه لأبيه لقد خشيت أن يموت قيس وما يترك خلفا وقد حرم الولد من هذه المرأة وأنت ذو مال فيصير مالك إلى الكلالة فزوجه بغيرها لعل الله أن يرزقه ولدا وألحت عليه في ذلك فأمهل قيسا حتى إذا اجتمع قومه دعاه فقال يا قيس إنك اعتللت هذه العلة فخفت عليك ولا ولد لك ولا لي سواك وهذه المرأة ليست بولود فتزوج إحدى بنات عمك لعل الله أن يهب لك ولدا تقر به عينك وأعيننا فقال قيس لست متزوجا غيرها أبدا فقال له أبوه فإن في مالي سعة فتسر بالإماء قال ولا أسوءها بشيء أبدا والله , قال أبوه فإني أقسم عليك إلا طلقتها فأبى وقال الموت والله علي أسهل من ذلك ولكني أخيرك خصلة من ثلاث خصال قال وما هي قال تتزوج أنت فلعل الله أن يرزقك ولدا غيري قال فما في فضلة لذلك قال فدعني أرتحل عنك بأهلي واصنع ما كنت صانعا لو مت في علتي هذه قال ولا هذه قال فأدع لبنى عندك وأرتحل عنك فلعلي أسلوها فإني ما أحب بعد أن تكون نفسي طيبة أنها في خيالي قال لا أرض أو تطلقها وحلف لا يكنه سقف بيت أبدا حتى يطلق لبنى فكان يخرج فيقف في حر الشمس ويجيء قيس فيقف إلى جانبه فيظله بردائه ويصلى هو بحر الشمس حتى يفيء الفيء فينصرف عنه ويدخل إلى لبنى فيعانقها وتعانقه ويبكي وتبكي معه وتقول له يا قيس لا تطع أباك فتهلك وتهلكني فيقول ما كنت لأطيع أحدا فيك أبدا فيقال إنه مكث كذلك سنة.. وطلقها .



طلاقه لبنى ثم ندمه

قالوا فلما بانت لبنى بطلاقه إياها وفرغ من الكلام لم يلبث حتى استطير عقله وذهب به ولحقه مثل الجنون وتذكر لبنى وحالها معه فأسف وجعل يبكي وينشج أحر نشيج وبلغها الخبر فأرسلت إلى أبيها ليحتملها وقيل بل أقامت حتى انقضت عدتها وقيس يدخل عليها فأقبل أبوها بهودج على ناقة وبإبل تحمل أثاثها فلما رأى ذلك قيس أقبل على جاريتها فقال ويحك ما دهاني فيكم فقال لا تسألني وسل لبنى فذهب ليلم بخبائها فيسألها فمنعه قومها فأقبلت عليه امرأة من قومه فقالت له مالك ويحك تسأل كأنك جاهل أو تتجاهل هذه لبنى ترتحل الليلة أو غدا فسقط مغشيا عليه لا يعقل ثم أفاق وهو يقول
وإنّي لمُفْنٍ دمعَ عيْنيَ بالبكا ... حِذَارَ الذي قد كان أو هو كائنُ
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلةٍ ... فراقُ حبيبٍ لم يَبِنْ وهو بائن
وما كنتُ أخشى أن تكون منيّتي ... بكفَّيْكِ إلاّ أنّ ما حان حائن
في هذه الأبيات غناء ولها أخبار قد ذكرت في أخبار المجنون قال وقال قيس
يقولون لُبْنَى فتنةٌ كنتَ قبلها ... بخير فلا تَنْدَمْ عليها وطلِّقِ
فطاوعتُ أعدائي وعاصيتُ ناصحي ... وأقررْتُ عين الشامت المُتخلِّق
وَدِدْتُ وبيتِ الله أنّي عَصَيْتُهم ... وحُمِّلت في رِضوانِها كلَّ مُوبِق
وكُلِّفتُ خوضَ البحر والبحر زاخرٌ ... أَبِيتُ على أثْبَاج موج مُغَرِّق
كأنّي أرى الناسَ المحبّين بعدها ... عُصارةَ ماء الحنظل المُتَفَلِّق
فتُنكر عيني بعدها كلَّ منظَرٍ ... ويكره سمعي بعدَها كلَّ منطق
قال وسقط غراب قريبا منه فجعل ينعق مرارا فتطير منه وقال
لقد نادى الغرابُ ببَيْن لُبْنَى ... فطار القلب من حَذَرِ الغرابِ
وقال غداً تَبَاعَدُ دارُ لُبْنَى ... وتَنْأى بعد ودٍّ واقتراب
فقلتُ تَعِستَ وَيْحَك من غراب ... وكان الدهرَ سعيُك في تَباب
وقال أيضا وقد منعه قومه من الإلمام بها
يا غرابَ البَيْنِ وَيْحَكَ نَبِنِّي ... بعلمك في لُبْنَى وأنتَ خبيرُ
فإن أنتَ لم تُخْبِرْ بما قد علمتَه ... فلا طِرْتَ إلاّ والجنَاح كَسِيرُ
ودُرْتَ بأعداءٍ حبيبُك فيهمُ ... كما قد تَراني بالحبيب أدورُ
وقال أيضا وقد أدخلت هودجها ورحلت وهي تبكي ويتبعها
ألاَ يا غرابَ البَيْنِ هل أنتَ مُخبِري ... بخيرٍ كما خَبَّرتَ بالنأي والشرِّ
وقلتَ كذاك الدهرُ ما زال فاجعاً ... صدقتَ وهل شيءٌ بباق على الدهرِ
فلما ارتحل قومها مليا ثم علم أن أباها سيمنعه من المسير معها فوقف ينظر إليهم ويبكي حتى غابوا عن عينه فكر راجعا ونظر إلى أثر خف بعيرها فأكب عليه يقبله ورجع يقبل موضع مجلسها وأثر قدمها فليم على ذلك وعنفه قومه على تقبيل التراب فقال
وما أحببتُ أرضَكُم ولكن ... أُقَبِّل إثْر من وَطِئ التُّرابا
لقد لاقيتُ من كَلَفِي بلُبْنَى ... بَلاءً ما أُسِيغ به الشَّرابا
إذا نادى المنادي باسمِ لُبْنَى ... عَيِيتُ فما أُطيقُ له جوابا
وقال وقد نظر إلى آثارها
ألاَ يا رَبْعَ لُبْنَى ما تقولُ ... أبِنْ لي اليومَ ما فعل الحُلولُ
فلو أن الديارَ تُجيب صَبًّا ... لردّ جوابيَ الرّبعُ المُحِيلُ
ولو أنّي قدَرْتُ غداةَ قالتْ ... غدَرتَ وماءُ مُقْلِتها يَسيلُ
نحرتُ النفسَ حين سمعتُ منها ... مقالتَها وذاك لها قليلُ
شَفَيْتُ غليلَ نفسي من فِعالي ... ولم أَغبُرْ بلا عقلٍ أجُول
كأنِّي والِهٌ بفراق لُبْنَى ... تَهِيمُ بفقد واحدِها ثَكُولُ
ألاَ يا قلبُ وَيْحَكَ كن جَليداً ... فقد رحَلتْ وفات بها الذَّمِيل
فإنك لا تُطيق رجوعَ لُبنى ... إذا رحَلتْ وإن كثُر العَوِيلُ
وكَمْ قد عِشْتَ كَمْ بالقرب منها ... ولكنّ الفِراقَ هو السبيل
فصبراً كلُّ مؤتَلِفَيْنِ يوماً ... من الأيام عيشُهما يزول
قال فلما جن عليه الليل وانفرد وأوى إلى مضجعه لم يأخذه القرار وجعل يتململ فيه تململ السليم ثم وثب حتى أتى موضع خبائها فجعل يتمرغ فيه ويبكي ويقول
بِتُّ والهمُّ يا لُبيني ضَجيعي ... وجرتْ مُذْ نأيتِ عنِّي دموعي
وتنفّستُ إذ ذكرتُك حتى ... زالت اليومَ عن فؤادي ضلوعي
أتناسَاكِ كي يُرِيغَ فؤادي ... ثم يشتدُّ عند ذاك وَلُوعي
يا لُبَيْنى فَدَتْكِ نفسي وأهلي ... هل لدهرٍ مضى لنا من رجوعِ
وقال أيضا :
أيا كبداً طارتْ صُدوعاً نوافذاً ... ويا حَسْرتَا ماذا تَغَلْغَلَ في القلب
فأقْسِمُ ما عُمْشُ العيون شوارفٌ ... روائمُ بَوٍّ حائماتٌ على سَقْب
تشمَّمْنَه لو يَسْتطِعن ارتشفْنَه ... إذا سُفْنَه يَزْددنَ نَكْباً على نَكْب
رَئِمْنَ فما تَنْحاش منهنّ شارفٌ ... وحالَفْنَ حبساً في المُحول وفي الجَدْب
بأَوْجَدَ منِّي يومَ وَلَّتْ حُمُولُها ... وقد طلعتْ أولَى الرِّكاب من النَّقْبِ
وكلُّ مُلِمّات الزمان وجدتُها ... سوى فُرْقةِ الأحباب هيِّنَةَ الخَطْب
وقيل أنه لم يقل الناس في هذا المعنى مثل قول قيس ابن ذريح
وكلُّ مُصِيبات الزمان وجدتُها ... سوى فُرْقَة الأحباب هيّنةَ الخَطْبِ

اشتاقها فقصدها وقال شعرا
خرج قيس في فتية من قومه واعتل على أبيه بالصيد فأتى بلاد لبنى فجعل يتوقع أن يراها أو يرى من يرسل إليها فاشتغل الفتيان بالصيد فلما قضوا وطرهم منه رجعوا إليه وهو واقف فقالوا له قد عرفنا ما أردت بإخراجنا معك وأنك لم ترد الصيد وإنما أردت لقاء لبنى وقد تعذر عليك فانصرف الآن فقال
وما حائماتٌ حُمْنَ يوماً وليلةً ... على الماء يَغْشَيْن العَصِيَّ حَوَانِ
عَوَافِيَ لا يَصْدُرْن عنه لِوجهةٍ ... ولا هنّ من بَرْدِ الحِياض دَوَانِ
يَرَيْنَ حَبَاب الماء والموتُ دونه ... فهنّ لأصوات السُّقّاةِ رَوَانِ
بأجهدَ منِّي حَرَّ شوقٍ ولَوْعةٍ ... عليكِ ولكِنّ العدوَّ عَدَاني
خليليَّ إني ميّتٌ أو مُكَلِّمٌ ... لُبَيْنى بسرِّي فامضِيا وذَرَاني
أنَلْ حاجتي وَحْدِي ويا رُبَّ حاجةٍ ... قضيتُ على هَوْلٍ وخوفِ جَنَانِ
فإنّ أحقَّ الناسِ ألا تُجَاوِزَا ... وتَطَّرِحا من لو يشاء شفاني
ومن قادني للموت حتى إذا صفَتْ ... مشاربُه السمَّ الذُّعَافَ سقانِي

فأقاموا معه حتى لقيها فقالت له يا هذا إنك متعرض لنفسك وفاضحي فقال لها
صدَعْتِ القلبَ ثم ذرَرْتِ فيه ... هواكِ فلِيمَ فالتأم الفُطورُ
تَغَلْغَلَ حيثُ لم يبلُغ شَرابٌ ... ولا حزنٌ ولم يبلغ سرور
وجعل قيس يعاتب نفسه في طاعته أباه في طلاقه لبنى ويقول فألا رحلت بها عن بلده فلم أر ما يفعل ولم يرني فكان إذا فقدني أقلع عما يفعله وإذا فقدته لم أتحرج من فعله وما كان علي لو اعتزلته وأقمت في حيها أو في بعض بوادي العرب أو عصيته فلم أطعه هذه جنايتي على نفسي فلا لوم على أحد وهأنذا ميت مما فعلته فمن يرد روحي إلي وهل لي سبيل إلى لبنى بعد الطلاق وكلما قرع نفسه وأنبها بلون من التقريع والتأنيب بكى أحر بكاء وألصق خده بالأرض ووضعه على آثارها ثم قال
وَيْلِي وعَوْلِي ومالي حين تُفلِتُني ... من بعد ما أحرزتْ كفّي بها الظَّفَرا
قد قال قلبي لطَرْفي وهو يعذُله ... هذا جزاؤك منّي فاكدِمُ الحجرا
قد كنتُ أنهاك عنها لو تُطاوِعُني ... فاصبِرْ فما لك فيها أجرُ من صبرا
وقال أيضا
بانت لُبَيْنَى فأنت اليوم متبول ... والرأي عندك بعد الحزم مخبول
أستودِع اللهَ لُبْنَى إذ تفارقني ... بالرغم منّي وقولُ الشيخ مفعول
وقد أَرَاني بلبنى حقَّ مُقتنِعٍ ... والشملُ مجتمعٌ والحبل موصول
وقال
ألاَ ليت لُبْنَى في خلاءٍ تزورني ... فأشكو إليها لَوْعتي ثم ترجِعُ
صحا كلُّ ذي لبٍّ وكلُّ متيَّم ... وقلبي بُلبْنَى ما حَيِيتُ مروَّع
فيا مَنْ لِقلبٍ ما يُفِيق من الهوى ... ويا مَنْ لعينٍ بالصَّبابة تَدْمَع
وقال في ليلته تلك
قد قلتُ للقلب لا لُبْناك فاعتِرف ... واقضِ اللُّبَانةَ ما قضَّيْتَ وانصرِف
قد كنت أحلف جَهْداً لا أُفارقها ... أُفٍّ لكثرة ذاك القِيل والحَلِفِ
حتى تكنَّفني الواشون فافتُلِتتْ ... لا تأمَنَنْ أبداً من غشّ مُكتنِف
هيهات هيهات قد أمستْ مُجاوِرةً ... أهلَ العَقيق وأَمسيْنا على سَرِف
حي يَمَانُونَ والبَطْحاء منزلَنا ... هذا لَعْمرُك شملٌ غيرُ مؤتِلِف

قال وسرف على ستة أميال من مكة والعقيق واد باليمامة فلما أصبح خرج متوجها نحو الطريق الذي سلكته يتنسم روائحها فسنحت له ظبية فقصدها فهربت منه فقال


من شعره في لبنى
ألاَ يا شِبْهَ لُبْنَى لا تُرَاعِي ... ولا تتيمَّمِي قُلَلَ القِلاع
وهي قصيدة طويلة يقول فيها
فوا كبِدي وعاودني رُدَاعِي ... وكان فراقُ لُبْنَى كالخداع
تكنَّفني الوُشاةُ فأزعجوني ... فيا للهِ لِلْواشِي المُطاع
فأصبحتُ الغَداةَ ألوم نفسي ... على شيءٍ وليس بمستطاع
كمغبونٍ يَعَضُّ على يديه ... تَبيَّنَ غَبْنَه بعد البِياع
بدار مَضِيعةٍ تركتْك لُبْنَى ... كذاك الحَيْنُ يُهْدَى للمُضاع
وقد عِشْنا نَلَذُّ العيشَ حِيناً ... لَوَ ان الدهرَ للإِنسان داع
ولكنّ الجميعَ إلى افتراق ... وأسبابُ الحُتوفِ لها دواع
بعثت أم قيس بن ذريح بفتيات من قومه إليه يعبن إليه لبنى ويعبنه بجزعه وبكائه ويتعرضن لوصاله فأتينه فاجتمعن حواليه وجعلن يمازحنه ويعبن لبنى عنده ويعيرنه ما يفعله فلما أطلن أقبل عليهن وقال
يَقَرُّ بعيني قربُها ويَزِيدُني ... بها كَلَفاً مَنْ كان عندي يَعِيبُها
وكم قائلٍ قد قال تُبْ فعصَيْتُه .. وتلك لعَمْرِي توبةٌ لا أتوبها
فيا نفسُ صبراً لستِ والله فاعلمي .. بأوَّلِ نفسٍ غاب عنها حبيبُها
اجتمع إليه النسوة فأطلن الجلوس عنده وحادثنة وهو ساه عنهن ثم نادى يا لبنى فقلن له ما لك ويحك فقال خدرت رجلي ويقال إن دعاء الإنسان باسم أحب الناس إليه يذهب عنه خدر الرجل فناديتها لذلك فقمن عنه وقال
إذا خدِرتْ رجلي تذكرتُ مَنْ لها ... فناديتُ لُبْنَى باسمِها ودعوتُ
دعوتُ التي لو أنّ نفسي تُطِيعني ... لفارقتُها من حبِّها وقَضيتُ
بَرَتْ نبلَها للصيد لبنى ورَيَّشَتْ ... ورَيَّشْتُ أُخرى مثلَها وبَرَيْتُ
فلمّا رمتني أَقْصدتْني بسهمها ... وأخطأتُها بالسَّهم حين رميتُ
وفارقتُ لبنى ضَلَّةً فكأنني ... قُرِنت إلى العَيُّوق ثم هَوَيْتُ
فيا ليتَ أنِّي مُتُّ قبل فراقها ... وهل تَرْجِعَنْ فوتَ القضيّة لَيْتُ
فصرتُ وشيخي كالذي عثَرتْ به ... غَداةَ الوَغَى بين العُدَاة كُمَيْتُ
فقامت ولم تُضْرَرْ هناك سَوِيّةً ... وفارسُها تحت السَّنابِك مَيْتُ
فإن يك تَهْيامي بلُبْنى غَوايَةً ... فقد يا ذَرِيحُ بن الحُبَاب غَوَيْتُ
فلا أنت ما أمَّلتَ فيّ رأيتَه ... ولا أنا لبنى والحياةَ حَوَيْتُ
فوَطِّنْ لهُلْكِي منك نفساً فإنّني ... كأنك بي قد يا ذَريحُ قَضَيْتُ
و مرض قيس فسأل أبوه فتياتِ الحي أن يعدنه ويحدثنه لعله أن يتسلى أو يعلق بعضهن ففعلن ذلك ودخل ليداويه والفتيات معه فلما اجتمعن عنده جعلن يحادثنه وأطلن السؤال عن سبب علته فقال
عِيدَ قيسٌ من حبِّ لُبنى ولُبنى ... داءُ قيسٍ والحبُّ داءٌ شديدُ
وإذا عادني العوائدُ يوماً ... قالت العين لا أَرَى من أُريد
ليت لُبْنَى تَعُودني ثم أَقْضِي ... إنها لا تعود فيمن يعود
وَيْحَ قيسٍ لقد تضمَّن منها ... داءَ خَبْلٍ فالقلبُ منه عَميد

فقال له الطبيب منذ كم هذه العلة ومنذ كم وجدت بهذه المرأة ما وجدت فقال:
تعلَّق رُوحِي روحَها قبل خَلْقِنا ... ومن بعدِ ما كنَّا نِطافاً وفي المهدِ
فزاد كما زِدنا فأصبح نامياً ... وليس إذا مُتْنا بمُنْصَرِم العهد
ولكنَّه باقٍ على كلِّ حادثٍ ... وزائرُنا في ظُلْمة القبر واللَّحْدِ
فقال له الطبيب إن مما يسليك عنها أن تتذكر ما فيها من المساوئ والمعيب وما تعافه النفس من أقذار بني آدم فإن النفس تنبو حينئذ وتسلو ويخف ما بها فقال:
إذا عِبتُها شبَّهتُها البدرَ طالعاً ... وحَسْبُكَ من عيب لها شَبَهُ البدرِ
لقد فُضِّلتْ لبنى على الناس مثلَ ما ... على ألف شهر فُضِّلتْ ليلةُ القدر
إذا ما مشتْ شبراً من الأرض أَرْجَفتْ ... من البُهْر حتى ما تَزيدُ على شبرِ
لها كَفَلٌ يَرْتَجُّ منها إذا مشتْ ... ومتنٌ كغصن البان مُضْطَمِرُ الخَصْر
ودخل أبوه وهو يخاطب الطبيب بهذه المخاطبة فأنبه ولامه وقال له يا بني الله الله في نفسك فإنك ميت إن دمت على هذا فقال:
وفِي عُرْوةَ العُذْرِيّ إن متُّ أُسوةٌ ... وعمروِ بن عَجْلانَ الذي قتلتْ هندُ
وبي مثلُ ما ماتا به غيرَ أنني ... إلى أجلٍ لم يأتِني وقتُه بعدُ
هل الحبُّ إلاّ عَبْرةٌ بعد زَفْرةٍ ... وحَرٌّ على الأحشاء ليس له بَرْدُ
وفَيْضُ دموعٍ تَستهل إذا بدا ... لنا علمٌ من أرضكم لم يكن يبدو
عِيدَ قيسٌ من حبِّ لُبْنَى ولُبنى ... داءُ قيسٍ والحبّ داءٌ شديدُ
لَيت لُبْنَى تعودني ثم أَقْضِي ... إنها لا تعود فيمن يعود
قال فأنشدته أنا لقيس:
تعلَّق رُوحِي رُوحَها قبل خَلْقِنا ... ومن بعد ما كنّا نِطافاً وفي المهد
فزاد كما زِدنا وأصبح نامياً ... وليس إذا متْنا بمنتَقِضِ العهد
ولكنَّه باقٍ على كل حادثٍ ... وزائرُنا في ظلمة القبر واللَّحْد

زوجوه لينسى لبنى
فلما طال على قيس ما به أشار قومه على أبيه بأن يزوجه امرأة جميلة فلعله أن يسلو بها عن لبنى فدعاه إلى ذلك فأباه وقال
لقد خِفتُ ألاّ تَقْنَع النفسُ بعدها ... بشيءٍ من الدنيا وإن كان مَقْنَعا
وأزجُر عنها النفس إذ حيل دونها ... وتأبَى إليها النفسُ إلاّ تَطلُّعا
فأعلمهم أبوه بما رد عليه قالوا فمره بالمسير في أحياء العرب والنزول عليهم فلعل عينه أن تقع على امرأة تعجبه فأقسم عليه أبوه أن يفعل فسار حتى نزل بحي من فزارة فرأى جارية حسناء قد حسرت برقع خز عن وجهها وهي كالبدر ليلة تمه فقال لها ما اسمك يا جارية قالت لبنى فسقط على وجهه مغشيا عليه فنضحت على وجهه ماء وارتاعت لما عراه ثم قالت إن لم يكن هذا قيس بن ذريح إنه لمجنون فأفاق فنسبته فانتسب فقالت قد علمت أنك قيس ولكن نشدتك بالله وبحق لبنى إلا أصبت من طعامنا وقدمت إليه طعاما فأصاب منه بإصبعه وركب فأتى على أثره أخ لها كان غائبا فرأى مناخ ناقته فسألهم عنه فأخبروه فركب حتى رده إلى منزله وحلف عليه ليقيمن عنده شهرا فقال له لقد شققت علي ولكني سأتبع هواك والفزاري يزداد إعجابا بحديثه وعقله وروايته فعرض عليه الصهر فقال له يا هذا إن فيك لرغبة ولكني في شغل لا ينتفع بي معه فلم يزل يعاوده والحي يلومونه ويقولون له قد خشينا أن يصير علينا فعلك سبة فقال دعوني ففي مثل هذا الفتى يرغب الكرام فلم يزل به حتى أجابه وعقد الصهر بينه وبينه على أخته المسماة لبنى وقال له أنا أسوق عنك صداقها فقال أنا والله يا أخي أكثر قومي مالا فما حاجتك إلى تكلف هذا أنا سائر إلى قومي وسائق إليها المهر ففعل وأعلم أباه الذي كان منه فسره وساق المهر عنه ورجع إلى الفزاريين حتى أدخلت عليه زوجته فلم يروه هش إليها ولا دنا منها ولا خاطبها بحرف ولا نظر إليها وأقام على ذلك أياما كثيرة ثم أعلمهم أنه يريد الخروج إلى قومه أياما فأذنوا له في ذلك فمضى لوجهه إلى المدينة وكان له صديق من الأنصار بها فأتاه فأعلمه الأنصاري أن خبر تزويجه بلغ لبنى فغمها وقالت إنه لغدار ولقد كنت أمتنع من إجابة قومي إلى التزويج فأنا الآن أجيبهم وقد كان أبوها شكا قيسا إلى معاوية وأعلمه وأمر أباها أن يزوجها رجلا يعرف بخالد بن حلزة من بني عبد الله بن غطفان ويقال بل أمره بتزويجها رجلا من آل كثير بن الصلت الكندي حليف قريش فزوجها أبوها منه قال فجعل نساء الحي يقلن ليلة زفافها
لُبَيْنَى زوجُها أصبح ... لا حرَّ بِواديه
له فضلٌ على الناس ... بما باتت تُناجيه
وقيسٌ ميّتٌ حيٌّ ... صريعٌ في بَواكيه
فلا يُبعِدُه الله ... وبُعْداً لنَواعيه
فجزع قيس جزعا شديدا وجعل ينشج أحر نشيج ويبكي أحر بكاء ثم ركب من فوره حتى أتى محلة قومها فناداه النساء ما تصنع الآن ها هنا قد نقلت لبنى إلى زوجها وجعل الفتيان يعارضونه بهذه المقالة وما أشبهها وهو لا يجيبهم حتى أتى موضع خبائها فنزل عن راحلته وجعل يتمعك في موضعها ويمرغ خده على ترابها ويبكي أحر بكاء ثم قال
إلى الله أشكو فَقْدَ لُبنى كما شكا ... إلى الله فقدَ الوالدَيْنِ يتيم
يتيمٌ جفاه الأقربون فجسمُه ... نَحيلٌ وعهدُ الوالدَيْن قديمُ
بكت دارُهم من نأيهم فتهلّلتْ ... دموعي فأيَّ الجازِعَيْنِ ألوم
أمُستعبِراً يبكي من الشوق والهوى ... أَمَ آخَر يبكي شَجْوَه ويَهِيم
تهيَّضَنِي من حبّ لُبْنَى علائقٌ ... وأصنافُ حبٍّ هَوْلُهن عظيمُ
ومن يتعلَّق حبَّ لبنى فؤادُه ... يَمُتْ أو يَعِشْ ما عاش وهو كَليم
فإنّي وإن أجمعتُ عنكِ تَجلُّداً ... على العهد فيما بيننا لمُقِيم
وإنّ زماناً شتَّت الشملَ بيننا ... وبينكُم فيه العِدَا لمَشُوم
أفي الحقِّ هذا أنّ قلبكِ فارغٌ ... صحيح وقلبي في هواكِ سَقيم
وقد قيل إن هذه الأبيات ليست لقيس وإنما خلطت بشعره ولكنها في هذه الرواية منسوبة إليه
قال وقال أيضا في رحيل لبنى عن وطنها وانتقالها إلى زوجها بالمدينة وهو مقيم في حيها :
بانت لُبَيْنَى فهاج القلبَ مَنْ بانا ... وكان ما وعدتْ مَطْلاً وَلَيّانَا
نعم الضَّجيعُ بُعَيْد النوم تَجْلُبه ... إليكَ ممتلئاً نوما ويَقْظانا
لا بارك اللهُ فيمن كان يحسَبُكم ... إلاّ على العهد حتى كان ما كانا
حتى استفقتُ أخيراً بعد ما نُكحت ... كأنما كان ذاك القلب حيرانا
قد زارني طَيْفُكم ليلاً فأرَّقني ... فبِتُّ للشوق أُذْرِي الدمع تَهْتانا
إن تَصْرِمي الحبَل أو تُمْسِي مُفارِقةً ... فالدهر يُحدث للإِنسان ألوانا
وما أرى مثلَكم في الناس من بَشَرٍ ... فقد رأيتُ به حَيًّا ونِسْوانا
أبو لبنى يشكوه إلى معاوية
و أن أبا لبنى شخص إلى معاوية فشكا إليه قيسا وتعرضه لابنته بعد طلاقه إياها فأمر معاوية بهدر دمه ، ووجهت لبنى رسولا قاصدا إلى قيس تعلمه ما جرى
وتحذره وبلغ أباه الخبر فعاتبه وتجهمه وقال له انتهى بك الأمر إلى أن يهدر السلطان دمك فقال
فإن يَحْجُبوها أو يَحُلْ دون وصلها ... مقالةُ واشٍ أو وَعيدُ أمير
فلن يمنعوا عينيَّ من دائم البُكا ... ولن يُذهبوا ما قد أَجَنَّ ضميري
إلى الله أشكو ما أُلاَقِي من الهوى ... ومن حُرَقٍ تعتادني وزَفير
ومن حَرَقٍ للحبّ في باطن الحشى ... وليلٍ طويلِ الحزن غيرِ قصير
سأبكي على نفسي بعينٍ غزيرةٍ ... بكاءَ حَزينٍ في الوَثاق أسير
وكنَّا جميعاً قبل أن يظهر الهوى ... بأَنْعَمِ حالَيْ غِبْطَةٍ وسرور
فما برِح الواشون حتى بَدَتْ لهم ... بطونُ الهوى مقلوبةً لظهور
لقد كنتِ حَسْبَ النفس لو دام وصلُنا ... ولكنَّما الدنيا متاعُ غرور

وقال قيس في إهدار معاوية دمه إن زارها:
إن تك لُبْنَى قد أتى دون قربها ... حجابٌ منيعٌ ما إليه سبيل
فإنّ نسيم الجوّ يجمع بيننا ... ونُبصر قَرْنَ الشمس حين تزول
وأرواحنا باللَّيل في الحيّ تلتقي ... ونعلم أنّا بالنهار نَقيل
وتجمعنا الأرضُ القَرارُ وفوقنا ... سماء نرى فيها النجومَ تجول
إلى أن يعود الدهر سَلْماً وتنقضي ... تراتٌ بغاها عندنا وذُحول
وقيل أن قيس ابن ذريح حج واتفق أن حجت لبنى في تلك السنة فرآها ومعها امرأة من قومها فدهش وبقي واقفا مكانه ومضت لسبيلها ثم أرسلت إليه بالمرأة تبلغه السلام وتسأله عن خبره فألفته جالسا وحده ينشد ويبكي
ويومَ مِنًى أعرضتِ عنِّي فلم أقل ... بحاجة نفس عند لُبْنَى مقالُها
وفي اليأس للنفس المريضة راحةٌ ... إذا النفسُ رامت خُطَّةً لا تَنالُها
فدخلت خباءه وجعلت تحدثه عن لبنى ويحدثها عن نفسه مليا ولم تعلمه أن لبنى أرسلتها إليه فسألها أن تبلغها عنه السلام فامتنعت عليه فأنشأ يقول:
بعشر تحيَّاتٍ إذا الشمسُ أَشْرقتْ ... وعشرٍ إذا اصفرَّتْ وحان رجوعُها
ولو أبلغتْها جارةٌ قوليَ اسلَمِي ... بكتْ جَزَعاً ارفَضَّ منها دموعُها
وبانَ الذي تُخْفِي من الوجد في الحَشَى ... إذا جاءها عنِّي حديث يَرُوعُها
وقضى الناس حجهم وانصرفوا فمرض قيس في طريقه مرضا شديدا أشفى منه على الموت فلم يأته رسولها عائدا لأن قومها رأوه وعلموا به فقال:
ألُبْنَى لقد جَلَّتْ عليكِ مصيبتي ... غَدَاةَ غدٍ إذ حلَّ ما أتوقَّعُ
تُمنِّينَنِي نَيْلاً وتَلْوِبنَني به ... فنفسي شوقاً كلَّ يوم تَقَطَّع
وقلبكِ قَطُّ ما يَليِن لما يَرى ... فواكبدي قد طال هذا التضرُّع
ألومُكِ في شأني وأنتِ مُلِيمةٌ ... لعَمْرِي وأَجْفَى للمحبِّ وأقطع
أخُبّرتِ أنّي فيكِ مَيّتُ حَسْرتي ... فما فاض من عينيكِ للوَجْد مَدْمَع
ولكن لعَمْرِي قد بكيتُكِ جاهداً ... وإن كان دائي كلُّه منك أجمع
صَبِيحةَ جاء العائداتُ يَعُدْنَنِي ... فظَلَّتْ عليَّ العائداتُ تَفَجَّع
فقائلةٌ جئنا إليه وقد قضَى ... وقائلةٌ لا بل تركْناه يَنْزِع
وروى عنه في هذا الموقف أيضا قوله :
فما غَشِيتْ عينيكِ من ذاك عَبْرةٌ ... وعيني على ما بي بِذكْراكِ تدمَع
إذا أنتِ لم تَبْكِي عليّ جِنازةً ... لديكِ فلا تبكي غداً حين أُرفَع
فبلغتها الأبيات فجزعت جزعا شديدا وبكت بكاء كثيرا ثم خرجت إليه ليلا على موعد فاعتذرت وقالت إنما أبقي عليك وأخشى أن تقتل فأنا أتحاماك لذلك ولولا هذا لما افترقنا وودعته وانصرفت وبلغه أن أهلها قالوا لها إنه عليل لما به وإنه سيموت في سفره هذا فقالت لهم لتدفعهم عن نفسها ما أراه إلا كاذبا فيما يدعي ومتعللا لا عليلا فبلغه ذلك فقال
تكاد بلادُ الله يا أُمَّ مَعْمَرٍ ... بما رحُبتْ يوماً عليّ تَضِيق
تكذِّبني بالودّ لُبْنَى وليتَها ... تُكَلَّف منِّي مثلَه فتذوق
ولو تعلمين الغَيْبَ أيقنتِ أنني ... لكم والهدايا المُشْعَراتِ صديق
تتوق إليكِ النفس ثم أَرُدُّها ... حياءً ومثلي بالحياء حَقيق
أَذُود سَوَامَ النفس عنكِ وما له ... على أحدٍ إلا عليك طريق
فإنِّي وإن حاولتِ صُرْمي وهِجْرتي ... عليك مِنَ احداثِ الرَّدَى لشَفيق
( ولم أرَ أيّاماً كأيّامنا التي ... مَرَرْنَ علينا والزمان أَنِيق
ووعدُكِ إيّانا ولو قلتِ عاجلٌ ... بعيدٌ كما قد تعلمين سَحِيق
وحدّثتني يا قلبُ أنك صابرٌ ... على البين من لُبْنَى فسوف تذوق
فمُتْ كَمَداً أو عِشْ سَقيماً فإنمَّا ... تكلِّفني ما لاَ أَرَاكَ تُطِيق
أطعتَ وُشَاةً لم يكن لك فيهمُ ... خليلٌ ولا جارٌ عليك شَفيق
فإن تك لمّا تَسْلُ عنها فإنّني ... بها مُغْرَمٌ صَبُّ الفؤاد مَشُوق
بلُبْنَى أُنادَى عند أوُل غَشْيَةٍ ... ويَثْنِي بها الدَّاعِي لها فأفِيق
شهِدتُ على نفسي بأنك غادةٌ ... رَدَاحٌ وأنّ الوجه منكِ عتيق
وأنكِ لا تَجزينَنِي بصَحابةٍ ... ولا أنا للهِجران منكِ مُطِيق
وأنكِ قسَّمتِ الفؤادَ فنصفُه ... رَهينٌ ونصفٌ في الحبال وَثيق
صَبُوحِي إذا ماذَرَّتِ الشمسُ ذكركُم ... ولي ذكرُكم عند المَساء غَبُوق
إذا أنا عَزَّيتُ الهوى أو تركتُه ... أتتْ عَبَراتٌ بالدموع تَسُوق
كأنّ الهوى بين الحَيَازِيم والحَشَى ... وبين التَّرَاقِي واللَّهَاة حَرِيق
فإن كنتِ لمَّا تَعْلمِي العلم فاسألي ... فبعضٌ لبعضٍ في الفَعال فَؤوق
سَلِي هل قَلاَنِي من عَشيرٍ صحبتُه ... وهل مَلَّ رَحْلي في الرِّفاق رفيق
وهل يَجْتَوي القومُ الكِرامُ صِحَابتي ... إذا اغْبَرَّ مَخْشِيّ الفِجاج عَميق
( وأكتُم أسرارَ الهوى فأميتها ... إذا باح مَزَّاحٌ بهنّ بَرُوق
سعَى الدهرُ والواشون بيني وبينها ... فقُطّع حبلُ الوصل وهو وَثيق
هل الصبر إلا أن أَصُدَّ فلا أرَى ... بأرضِك إلاّ أن يكون طريق
قصته مع لبنى وزوجها
ثم أتى قومه فاقتطع قطعة من إبله وأعلم أباه أنه يريد المدينة ليبيعها ويمتار لأهله بثمنها فعرف أبوه أنه إنما يريد لبنى فعاتبه وزجره عن ذلك فلم يقبل منه وأخذ إبله وقدم بها المدينة فبينا هو يعرضها إذ ساومه زوج لبنى بناقة منها وهما لا يتعارفان فباعه إياها فقال له إذا كان غد فأتني في دار كثير بن الصلت فاقبض الثمن قال نعم ومضى زوج لبنى إليها فقال لها إني ابتعت ناقة من رجل من أهل البادية وهو يأتينا غدا لقبض ثمنها فأعدي له طعاما ففعلت فلما كان من الغد جاء قيس فصوت بالخادم قولي لسيدك صاحب الناقة بالباب فعرفت لبنى نغمته فلم تقل شيئا فقال زوجها للخادم قولي له ادخل فدخل فجلس فقالت لبنى للخادم قولي له يا فتى مالي أراك أشعث أغبر فقالت له ذلك فتنفس ثم قال لها هكذا تكون حال من فارق الأحبة واختار الموت على الحياة وبكى فقالت لها لبنى قولي له حدثنا حديثك فلما ابتدأ يحدث به كشفت الحجاب وقالت حسبك قد عرفنا حديثك وأسبلت الحجاب فبهت ساعة لا يتكلم ثم انفجر باكيا ونهض فخرج فناداه زوجها ويحك ما قصتك ارجع اقبض ثمن ناقتك وإن شئت زدناك فلم يكلمه وخرج فاغترز في رحله ومضى وقالت لبنى لزوجها ويحك هذا قيس بن ذريح فما حملك على ما فعلت به قال ما عرفته وجعل قيس يبكي في طريقه ويندب نفسه ويوبخها على فعله ثم قال:
أتبكي على لُبْنَى وأنت تركتَها ... وأنت عليها بالمَلاَ أنت أقدَرُ
فإن تكن الدنيا بلُبْنَى تقلَّبتْ ... عليَّ فلِلدنيا بطونٌ وأَظْهُر
لقد كان فيها للأمانة موضعٌ ... وللكَفِّ مُرتَادٌ وللعين مَنْظَر
وللحائم العطشانِ رِيٌّ بريقِها ... وللمَرِح المختالِ خمرٌ ومُسْكِرُ
كأنّي لها أُرْجوحةٌ بين أَحْبُلٍ ... إذا ذُكْرةٌ منها على القلب تَخْطُر


مرض قيس
وعاد إلى قومه بعد رؤيته إياها وقد أنكر نفسه وأسف ولحقه أمر عظيم فأنكروه وسألوه عن حاله فلم يخبرهم ومرض مرضا شديدا أشرف منه على الموت فدخل إليه أبوه ورجال قومه فكلموه وعاتبوه وناشدوه الله فقال ويحكم أتروني أمرضت نفسي أو وجدت لها سلوة بعد اليأس فاخترت الهم والبلاء أو لي في ذلك صنع هذا ما اختاره لي أبواي وقتلاني به فجعل أبوه يبكي ويدعو له بالفرج والسلوة فقال قيس
لقد عذَّبتَني يا حبَّ لُبْنَى ... فقَعْ إمّا بموتٍ أو حياةِ
فإنّ الموت أَرْوحُ من حياةٍ ... تدوم على التباعد والشَّتات
وقال الأقربون تَعَزَّ عنها ... فقلت لهم إذاً حانت وفاتي
ودست إليه لبنى بعد خروجه رسولا وقالت له استنشده فإن سألك عن نسبتك فانتسب له خزاعيا فإذا أنشدك فقل له لم تزوجت بعدها حتى أجابت إلى أن تتزوج بعدك واحفظ ما يقول لك حتى ترده علي فأتاه الرسول فسلم وانتسب خزاعيا وذكر أنه من أهل الشَام واستنشده فأنشده قوله
فأقْسِم ما عُمْشُ العيونِ شوارِفٌ ... روائمُ بَوٍّ حانياتٌ على شَقْبِ
وقد مضت هذه الأبيات فقال له الرجل فلم تزوجت بعدها فأخبره الخبر وحلف له أن عينه ما اكتحلت بالمرأة التي تزوجها وأنه لو رآها في نسوة ما عرفها وأنه ما مد يده إليها ولا كلمها ولا كشف لها عن ثوب فقال له الرجل فإني جار لها وإنها من الوجد بك على حال قد تمنى زوجها معها أن تكون بقربها لتصلح حالها بك فحملني إليها ماشئت أؤده إليها قال
تعود إلي إذا أردت الرحيل فعاد إليه لما أراد الرحيل فقال تقول لها
أَلاَ حيِّ لُبْنَى اليومَ إن كنتَ غاديَا ... وأَلمِمْ بها من قبلِ أنْ لا تَلاَقِيَا
وأَهْدِ لها منك النصيحةَ إنها ... قليلٌ ولا تَخْشَ الوُشاةَ الأدانيا
وقل إنّني والراقصاتِ إلى مِنىً ... بأَجْبُل جَمْعٍ ينتظرنَ المناديا
أصونُكِ عن بعض الأمور مَضَنَّةً ... وأخشَى عليكِ الكاشحين الأعاديا
تَسَاقطُ نفسي حين ألقاكِ أنفُساً ... يَرِدْنَ فما يَصْدُرْنَ إلا صَوَادِيا
فإنْ أَحْيَ أو أهلِكْ فلستُ بزائلٍ ... لكم حافظاً ما بَلَّ ريقٌ لسانيا
أقول إذا نفسي من الوَجْد أَصْعدتْ ... بها زَفْرةٌ تعتادني هي ما هيا
وبين الحَشَى والنحرِ منِّي حرارةٌ ... ولوعةُ وجدٍ تترك القلب ساهيا
ألاَ ليت لُبْنَى لم تكن ليَ خُلَّةً ... ولم تَرَنِي لُبْنى ولم أدرِ ما هيا
سَلِي الناسَ هل خبَّرتُ سرَّكِ منهمُ ... أخا ثقةٍ أو ظاهرَ الغِشِّ باديا
يقول ليَ الواشون لمّا تَظاهروا ... عليكِ وأَضْحَى الحبلُ للبين واهيا
لعَمْري لقبلَ اليوم حُمِّلتَ ما تَرى ... وأُنْذِرتَ من لُبْنَى الذي كنتَ لاقيا
خليليَّ مالي قد بَلِيتُ ولا أَرَى ... لُبَيْنَي على الهِجْران إلاّ كما هيا
ألاَ يا غرابَ البَيْن مالكَ كلَّما ... ذكرتُ لُبَيْنَى طِرْتَ لي عن شِماليا
أعندكَ علمُ الغيبِ أم لستَ مُخْبِرِي ... عن الحيِّ إلا بالذي قد بدا ليا
جَزِعتُ عليها لو أَرى ليَ مَجْزَعاً ... وأفنيتُ دمعَ العين لو كان فانيا
حياتَك لا تُغْلَبْ عليها فإنه ... كفَى بالذي تَلْقَى لنفسِك ناهيا
تَمرّ الليالي والشهور ولا أَرَى ... وَلُوعِي بها يزداد إلاّ تماديا
فما عن نَوالٍ من لُبَيْنَى زيارتي ... ولا قِلّةُ الإِلمام أَن كنتُ قاليا
ولكنّها صَدَّتْ وحُمِّلتُ من هوىً ... لها ما يَؤود الشامخاتِ الرواسيا

بريكة تجمعهما سرا
كانت امرأة من موالي بني زهرة يقال لها بريكة من أظرف النساء وأكرمهن وكان لها زوج من قريش له دار ضيافة فلما طالت علة قيس قال له أبوه إني لأعلم أن شفاءك في القرب من لبنى فارحل إلى المدينة فرحل إليها حتى أتى دار الضيافة التي لزوج بريكة فوثب غلمانه إلى رحل قيس ليحطوه فقال لا تفعلوا فلست نازلا أو ألقى بريكة فإني قصدتها في حاجة فإن وجدت لها عندها موضعا نزلت بكم وإلا رحلت فأتوها فأخبروها فخرجت إليه فسلمت عليه ورحبت به وقالت حاجتك مقضية كائنة ما كانت فانزل ودنا منها فقال أذكر حاجتي قالت إن شئت قال أنا قيس بن ذريح قالت حياك الله وقربك إن ذكرك لجديد عندنا في كل وقت قال وحاجتي أن أرى لبنى نظرة واحدة كيف شئت قالت ذلك لك علي فنزل بهم وأقام عندها وأخفت أمره ثم أهدى لها هدايا كثيرة وقال لاطفيها وزوجها بهذا حتى يأنس بك ففعلت وزارتها مرارا ثم قالت لزوجها أخبرني عنك أنت خير من زوجي قال لا قالت فلبنى خير مني قال لا قالت فما بالي أزورها ولا تزورني قال ذلك إليها فأتتها وسألتها الزيارة وأعلمتها أن قيسا عندها فتسارعت إلى ذلك وأتتها فلما رآها ورأته بكيا حتى كادا يتلفان ثم جعلت تسأله عن خبره وعلته فيخبرها ويسألها فتخبره ثم قالت أنشدني ما قلت في علتك فأنشدها قوله
أعالج من نفسي بَقايا حُشاشةٍ ... على رَمَقٍ والعائداتُ تعود
فإنْ ذُكرتْ لُبْنَى هَشِشْتُ لذكرها ... كما هَشَّ للثدي الدَّرُورِ وَليدُ
أجيب بلُبنى مَنْ دعاني تَجَلُّداً ... وبي زَفَراتٌ تنجلي وتعود
تُعيد إلى روحي الحياةَ وإنني ... بنفسيَ لو عاينتني لأجود
قال وفي هذه القصيدة يقول
ألاَ ليتَ أيّاماً مَضَيْن تعود ... فإن عُدْنَ يوماً إنني لسعيدُ
سَقَى دارَ لُبنى حيث حَلَّتْ وخَيَّمتْ ... من الأرض مُنْهَلُّ الغَمامِ رَعود
على كلِّ حالٍ إن دَنَتْ أو تباعدتْ ... فإن تَدْنُ منّا فالدنوُّ مزيد
فلا اليأسُ يُسْلِيني ولا القربُ نافعي ... ولُبْنَى مَنُوعٌ ما تكاد تجود
كأنِّيَ من لُبنى سليمٌ مُسَهَّدٌ ... يَظَلُّ على أيدي الرجال يَميد
رمتْنِي لُبَيْنَى في الفؤاد بسهمها ... وسهمُ لبينى للفؤاد صَيُود
سلاَ كُلُّ ذي شَجْوٍ علمتُ مكانَه ... وقلبي للبنى ما حَيِيتُ ودود
وقائلةٍ قد مات أو هو مَيِّتٌ ... ولِلنفس منِّي أن تَفيض رَصيد
أُعالِج من نفسي بقايا حُشاشةٍ ... على رَمَقٍ والعائداتُ تعود
وعاتبته على تزوجه فحلف أنه لم ينظر إليها ملء عينيه ولا دنا منها فصدقته وقال
ولقد أردتُ الصبر عنكِ فعاقَني ... عَلَقٌ بقلبي من هواكِ قديمُ
يبقَى على حَدَثِ الزمانِ ورَيْبِه ... وعلى جَفائِك إنه لكريمُ
فصَرَمتِه وصَحَحْت وهو بدائه ... شَتَّانَ بين مُصَحَّح وسَقِيم
وَارَبْتِه زمناً فعاد بحلمه ... إنّ المحبّ عن الحبيب حليمُ
قالوا فلم يزل يومه معها يحدثها ويشكو إليها أعف شكوى وأكرم حديث حتى أمسى فانصرفت ووعدته الرجوع إليه من غد فلم ترجع وشاع خبره فلم ترسل إليه رسولا فكتب هذه الأبيات في رقعة ودفعها إلى بريكة وسألها أن توصلها إليها ورحل متوجها إلى معاوية والأبيات
بنفسيَ مَنْ قلبي له الدَّهرَ ذاكرُ ... ومَنْ هو عنِّي مُعرِضُ القلبِ صابرُ
ومَنْ حُبُّه يزداد عنديَ جِدَّةً ... وحبِّي لديه مُخْلَقُ العهدِ داثرُ

يزيد يرق لحاله
ثم ارتحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشكا ما به إليه وامتدحه فرق له وقال سل ما شئت إن شئت أن أكتب إلى زوجها فأحتم عليه أن يطلقها فعلت قال لا أريد ذلك ولكن أحب أن أقيم بحيث تقيم من البلاد أتعرف أخبارها وأقنع بذلك من غير أن يهدر دمي قال لو سألت هذا من غير أن ترحل إلينا فيه لما وجب أن تمنعه فأقم حيث شئت وأخذ كتاب أبيه له بأن يقيم حيث شاء وأحب ولا يعترض عليه أحد وأزال ما كان كتب به في إهدار دمه فقدم إلى بلده وبلغ الفزاريين خبره
وإلمامه بلبنى فكاتبوه في ذلك وعاتبوه وقال أحدهم ، أقبلت ذات يوم من الغابة فلما كنت بالمذاذ وأنا حديث العهد بالساكن وإذا رجل مجتمع في جانب ذلك الربع يبكي ويحدث نفسه فسلمت فلم يرد علي سلاما فقلت في نفسي رجل ملتبس به فوليت عنه فصاح بي بعد ساعة وعليك السلام هلم هلم إلي يا صاحب السلام فأتيته فقال أما والله لقد فهمت سلامك ولكني رجل مشترك اللب يضل عني أحيانا ثم يعود إلي فقلت ومن أنت قال قيس بن ذريح الليثي قلت صاحب لبنى قال صاحب لبنى لعمري وقتيلها ثم أرسل عينيه كأنهما مزادتان فما أنسى حسن قوله :
أبائنةٌ لُبْنَى ولم تَقطعِ المَدَى ... بوصلٍ ولا صُرْمٍ فييأسَ طامعُ
نهارِي نهارُ الوالهِين صَبابةً ... وليلِىَ تنبو فيه عنِّي المضاجع
وقد كنتُ قبل اليوم خِلْواً وإنّما ... تُقَسَّم بين الهالِكين المَصَارِع
فلولا رجاءُ القلب أن تُسْعِف النَّوَى ... لَمَا حبستْه بينهنّ الأضالع
( له وَجَبَاتٌ إثْر لُبْنَى كأنها ... شَقائق برقٍ في السماء لَوَامِعِ
أبَى اللهُ أن يَلْقَى الرشادَ مُتَيَّم ... ألاَ كلُّ أمر حُمَّ لا بُدّ واقعُ
هما بَرَّحَابي مُعْوِلَيْنِ كِلاهما ... فؤادٌ وعينٌ جفنُها الدَّهرَ دامع
قول قيس بن ذريح
إذا ذُكِرتْ لُبْنَى تأوَّه واشتكى ... تأوُّهَ محموم عليه البَلابلُ
يَبيت ويُضْحى تحت ظِلّ منيَّةٍ ... به رَمَقٌ تَبْكي عليه القبائل
قتيلٌ للُبْنَى صدَّع الحبُّ قلبَه ... وفي الحب شغلٌ للمحبِّين شاغل
قال ابن أبي عتيق لقيس يوما أنشدني أحر ما قلت في لبنى فأنشده قوله
وإني لأهوَى النَّومَ في غير حِينه ... لعلَّ لقاءً في المنام يكون
تُحَدِّثني الأحلامُ أنِّي أَرَاكُم ... فيا ليتَ أحلامَ المنام يقين
شهدتُ بأني لم أحُلْ عن مَوُدّةٍ ... وأنِّي بكم لو تَعْلمين ضَنين
وأن فؤادي لا يَلِي إلى هوَى ... سواكِ وإن قالوا بَلَى سيَلِي
فقال له ابن أبي عتيق لقل ما رضيت به منها يا قيس قال ذلك جهد المقل
وكان مما يستحسن من شعره هذه الأبيات من شعره
سقَى طَلَلَ الدّارِ التي أنتُم بها ... حَياً ثم وَبْلٌ صَيِّفٌ ورَبيعُ
مضى زمنٌ والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى لُبْنَى الغَداةَ شَفيع
سأصرِم لُبْنَى حبلَكِ اليومَ مُجْمِلاً ... وإن كان صَرْمُ الحبل منكِ يَرُوع
وسوف أُسَلِّي النفسَ عنكِ كما سَلاَ ... عن البلد النائي البعيدِ نَزِيع
وإنْ مَسَّني للضُّرِّ منكِ كآبةٌ ... وإن نال جسمي للفِراق خُشوع
يقولون صَب بالنساء موكَّلٌ ... وما ذاك من فعلِ الرجال بَديع
نَدِمتُ على ما كان منّي ندامةً ... كما ندِم المغبونُ حين يَبيع
فقَدتُكِ من نفسٍ شَعاعٍ ألم أكن ... نهيتُكِ عن هذا وأنتِ جَميع
فقرّبت لي غير القريبِ وأَشْرفتْ ... هناكَ ثَنايا ما لهنَّ طلوع
إلى الله أشكو نِيَّةً شَقّت العصا ... هي اليوم شَتَّى وهي أمسِ جميعُ
فيا حَجَراتِ الدارِ حيث تحمَّلوا ... بذي سَلَمٍ لا جادكنَّ ربيع
فلو لم يَهِجْني الظاعنون لهاجَنِي ... حمائمُ وُرْقٌ في الدِّيار وُقوع
تَدَاعيْنَ فاستبكَيْنَ مَنْ كان ذا هوىً ... نوائحَ لم تَقْطُر لهنّ دُموع
غنى في هذين البيتين ابن سريج خفيف ثقيل أول عن الهشامي
إذا أمرتْني العاذلاتُ بهجرها ... أبتْ كَبِدٌ عمّا يَقُلْنَ صَديع
وكيف أُطِيع العاذلاتِ وذكرُها ... يؤرِّقني والعاذلاتُ هُجوع


ومن طريف أخبار قيس ولبنى أنه لما بلغ لبنى قول قيس
ألاَ يا غرابَ البين قد طِرْتَ بالذي ... أُحاذِر من لبنى فهل أنت واقع
آلت ألا ترى غرابا إلا قتلته فكانت كلما رأته أو رأته خادم لها أو جارة ابتيع ممن هو معه وذبحته
وهذه القصيدة العينية أيضا من جيد شعر قيس والمختار منها قوله
أتبكي على لُبنى وأنت تركتَها ... وكنتَ كآتٍ حَتْفَه وهو طائعُ
فيا قلبُ صبراً واعترافاً لما ترَى ... ويا حبَّها قَعْ بالذي أنت واقع
ويا قلبُ خبِّرني إذا شَطَّتِ النَّوَى ... بلُبْنَى وبانت عنك ما أنت صانع
أتصبِر للبَيْن المُشِتِّ مع الجَوَى ... أم انت امرؤ ناسي الحياء فجازع
كأنَّك بِدْعٌ لم تَرَ الناسَ قبلَها ... ولم يَطَّلِعْك الدهرُ فيمن يُطالع
ألاَ يا غرابَ البَيْن قد طِرْتَ بالذي ... أُحاذِر من لُبنى فهل أنت واقع
( فليس محبٌّ دائماً لحبيبِه ... ولا ثقةٌ إلا له الدهرَ فاجع
كأنَّ بلادَ الله ما لم تكن بها ... وإن كان فيها الناسُ قَفْرٌ بَلاَقِع
فما أنت إذ بانت لُبَيْنَى بهاجعٍ ... إذا ما اطمأنّتْ بالنِّيَام المَضاجع
أُقَضِّي نهاري بالحديث وبالمُنَى ... ويَجْمعني والهمَّ بالليل جامعُ
نهارِي نهارُ الناس حتى إذا دَجَا ... لِيَ الليلُ هَزَّتْني إليكِ المضاجع
لقد رسَختْ في القلب منكِ مَودّةٌ ... كما رسَختْ في الراحتين الأصابع
أحالَ عليَّ الهمُّ من كلِّ جانب ... ودامتْ فلم تبرح عليَّ الفواجع
ألاَ إنّما أبكي لِما هو واقعٌ ... فهل جَزَعِي من وَشْكِ ذلك نافع
وقد كُنت أبكي والنَّوَى مطمئنّةٌ ... بنا وبكم من عِلْمِ ما البينُ صانع
وأَهجُركم هجرَ البَغيِض وحبُّكم ... على كبدي منه كُلومٌ صوادع
وأَعمِد للأرض التي لا أريدها ... لِتَرْجِعَني يوماً إليكِ الرواجع
وأشْفِق من هِجرانكم وتَرُوعني ... مَخافةُ وَشْكِ البين والشَّملُ جامع
فما كلُّ ما منَّتْكَ نفسُك خالياً ... تُلاَقِي ولا كلُّ الهوى أنت تابع
لَعَمْرِي لمَنْ أَمْسَى ولُبْنَى ضَجيعُه ... من الناس ما اختيرتْ عليه المضاجع
فتلك لُبَيْنَى قد تراخَى مَزارُها ... وتلك نَواها غُرْبةٌ ما تُطاوع
وليس لأمرٍ حاول اللهُ جمَعه ... مُشِتٌّ ولا ما فرَّق اللهُ جامع
فلا تَبْكِيَنْ في إثر لُبْنَى نَدَامةً ... وقد نَزَعتْها من يديك النوازع


نهاية قصة قيس ولبنى
وقد اختلفوا فيما صار إليه آخر أمر قيس ولبنى فذكر أكثر الرواة أنهما ماتا على افتراقهما فمنهم من قال إنه مات قبلها وبلغها ذلك فماتت أسفا عليه ومنهم من قال بل ماتت قبله ومات بعدها أسفا عليها و ذكر أنّه لمّا ماتت لبنى خرج قيس ومعه جماعة من أهله فوقف على قبرها فقال
ماتت لُبَيْنَى فموتُها مَوْتِي ... هل تنفعَنْ حَسْرتي على الفَوْتِ
وسوف أبكي بكاءَ مكتئبٍ ... قضى حياةً وَجْداً على مَيْت
ثم أكب على القبر يبكي حتى أغمي عليه فرفعه أهله إلى منزله وهو لا يعقل فلم يزل عليلا لا يفيق ولا يجيب مكلما ثلاثا حتى مات فدفن إلى جنبها .
وقيل أن ابن أبي عتيق صديق قيس صار إلى جماعة من قريش فقال لهم إن لي حاجة إلى رجل أخشى أن يردني فيها وإني أستعين بجاهكم وأموالكم فيها عليه قالوا ذلك لك مبتذل منا فاجتمعوا ليوم وعدهم فيه فمضى بهم إلى زوج لبنى فلما رآهم أعظم مصيرهم إليه وأكبره فقالوا لقد جئناك بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق قال هي مقضية كائنة ما كانت قال ابن أبي عتيق قد قضيتها كائنة ما كانت من ملك أو مال أو أهل قال نعم قال تهب لهم ولي لبنى زوجتك وتطلقها قال فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثا فآستحيا القوم واعتذروا وقالوا والله ما عرفنا حاجته ولو علمنا أنها هذه ما سألناك إياها فعوضوه من ذلك مائة ألف درهم وحملها ابن أبي عتيق إليه فلم تزل عنده حتى انقضت عدتها فسأل القوم أباها فزوجها قيسا فلم تزل معه حتى ماتا قالوا فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق

جزى الرحمنُ أفضلَ ما يَجُازِي ... على الإِحسان خيراً من صديق
فقد جَرَّبتُ إخواني جميعاً ... فما ألْفَيْتُ كابنِ أبي عتيق
سعى في جمع شَمْلِي بعد صَدْعٍ ... ورَأيٍ حِدْتُ فيه عن الطريق
وأطفأ لوعةً كانت بقلبي ... أغصَّتْني حرارتُها بريقي
http://www.youtube.com/watch?v=JOg7D_WbTKE

أكبر أبناء بن لادن يخصص فيلا فاخرة لأرامل والده
شركة إسبانية تدشن أرصفة ذكية مدعومة بالواي فاي
 

تعليقات (0)

لا يوجد تعليقات منشورة هنا

ترك تعليقاتك

نشر التعليق كزائر. انشاء حساب أو تسجيل الدخول إلى حسابك.
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location